Newsflash

 

 
Home arrow Arabic Articles arrow Niqab and Sculpture "Arabic"
PDF Print E-mail
Thursday, 08 January 2009

النقاب‏..‏ وفن النحت‏! 

 

بقلم: أحمد عبدالمعطي حجازي

في مصر الآن نساء منتقبات يشتغلن بفن النحت‏!‏ 

كيف يمكن لهذه الأيدي الملفوفة بالقفازات السوداء أن تلمس المادة الطرية أو الصلبة‏,‏ التي تشكلها يد النحات وتجعلها صورا وأفكارا؟ كيف تستطيع أن تحايلها كما تحايل الأم طفلها‏,‏ أو كما يحايل الرجل حبيبته‏,‏ تقتطع منها وتلاطفها‏,‏ تخشنها‏,‏ وتنعمها‏,‏ وترخمها وتنغمها‏,‏ تمد السطوح وتديرها‏,‏ تسلط علي بعضها الضوء‏,‏ وترخي علي بعضها الظلال؟‏.

كيف ليد محجوبة محبوسة أن تطلق المعني من عقال المادة‏,‏ وتزيح الستر عن الجمال؟‏!.‏

فضلا عن سؤال آخر لم أجد جوابا له‏,‏ هو أن المتشددين يقولون إن فن النحت حرام فكيف تشتغل به المنقبات اللائي يمكن اعتبارهن متشددات؟ هل يصبح النحت بالنقاب حلالا‏,‏ لأن يد المنقبة لا تلمس جسم التمثال؟‏!‏

وأنا بالطبع لا اعترض علي النقاب‏,‏ وإنما اعترض علي النحت‏,‏ من شاءت أن تتنقب فلتتنقب‏,‏ لكن أولي لها في هذه الحالة أن تلزم بيتها أو تبحث عن عمل آخر‏.‏ أما كلية الفنون الجميلة‏,‏ وأما قسم النحت‏,‏ وأما رودان‏,‏ وجياكو ميتي‏,‏ ومختار‏,‏ والسجيني‏,‏ وآدم حنين‏,‏ والوشاحي‏,‏ وأبوالهول‏,‏ ورمسيس‏,‏ وطريق الكباش‏,‏ وأجاممنون‏,‏ فعالم آخر لا يمكن الجمع بينه وبين عالم النقاب‏.‏

مع هذا ففي مصر الآن نساء منتقبات يشتغلن بفن النحت‏!.‏

***‏

وفي مصر رجال يبحثون عن قوانين الطبيعة في النصوص الدينية‏,‏ بدلا من أن يبحثوا عنها في المعامل والمراصد‏,‏ وفي البر والبحر‏,‏ والماء‏,‏ والهواء‏.‏

كسل ما بعده كسل‏,‏ فهؤلاء السادة لا يريدون أن يبذلوا أي جهد في الوصول إلي الحقيقة العلمية‏,‏ يريدون أن يتلقوها مكتوبة جاهزة‏,‏ كما نتلقي الأخبار من الصحف‏,‏ أو كما يتلقي الأطفال الصغار ما يلقيه عليهم آباؤهم ومدرسوهم من معلومات وإرشادات ونصائح يلقنونهم إياها تلقينا‏,‏ ولا يطالبونهم بالتفكير فيها‏,‏ ولا يحاولون إقناعهم بها‏,‏ لأنهم يرونها مبادئ ومسلمات‏,‏ ولأن الطفل لا حق له في السؤال ولا قدرة علي التفكير‏.‏

لكن العلم بالطبع شئ آخر‏,‏ والمنهج الذي يتبعه المشتغلون بالعلم ليضعوا أيديهم علي القوانين‏,‏ والافتراضات‏,‏ وعلي الحقائق والنظريات العلمية منهج آخر لا ينفع فيه التلقين والحفظ‏,‏ وإنما يعتمد اعتمادا كاملا علي المشاهدة والملاحظة‏,‏ والمساءلة والمقارنة‏,‏ والتحليل والتركيب‏,‏ والتنقيب والتجريب‏.‏

والعلم بما أنه تطور دائم وتقدم مطرد فهو أمامنا وليس وراءنا‏,‏ العلم ليس في الماضي ولكنه في المستقبل‏,‏ ليس في الكتب‏,‏ ولكنه في الطبيعة والعالم والكون المحيط بنا‏.‏

والعلم بما أنه اكتشاف فهو عقل لا نقل‏,‏ والعلماء يرجعون بالطبع للمراجع لكنهم حين يستفيدون مما أنجزه السابقون يعيدون فيه النظر في ضوء الخبرة الحية والتجربة العملية لما تضمه هذه المراجع من معلومات ونظريات‏.‏

والعلم إذن لا يكون ولا يزدهر إلا في مناخ عقلي يشجع علي المغامرة والمخاطرة‏,‏ ويحبذ الاجتهاد‏,‏ ويسفه التقليد‏.‏

في عام‏1942‏ عندما نشر كريستوف كولومب أشرعة سفنه الثلاث ودخل بها بحر الظلمات كان البشر يعتقدون أنه سيصل إلي آخر الأرض‏,‏ فإن واصل السير فسوف يسقط في الجحيم‏,‏ لأنهم كانوا يرون أن الأرض مسطحة أو أنها طبق هائل يقف علي قرن ثور‏,‏ وكما أن الجنة في السماء فوق الأرض فالنار تحتها‏,‏ وقد واصل كريستوف كولومب السير ثلاثة أشهر فلم تسقط سفنه في الحجيم‏,‏ وإنما رست علي سواحل العالم الجديد‏.‏

هكذا‏,‏ لابد في العلم من المغامرة‏,‏ وفي الإبداع من حرية التفكير والتعبير‏.‏

لا يمكن للعلم أن يزدهر في ظروف تدعو لليأس وتثير الشعور بالإحباط وتدفع الناس لتصديق الخرافة وانتظار المعجزة‏.‏ وهذا هو ما نحن فيه الآن‏,‏ فالذين يبحثون عندنا عن قوانين الفلك ومواقع النجوم في النصوص الدينية هم أنفسهم الذين يبحثون في الأساور والخواتم‏,‏ والسبائك الذهبية والمومياوات الفرعونية عن علاج لأمراض الكبد‏,‏ ونقص المناعة‏,‏ وعقم النساء‏.‏ الذين يخلطون بين العلم والدين يبتعدون عن العلم والدين معا‏,‏ لأنهم يخلطون نسبيا بمطلق‏,‏ وغيبا بشهادة‏.‏

العلم نسبي‏,‏ والدين مطلق‏,‏ والمعرفة العلمية خبرة متجددة تتطور وتتغير‏,‏ وتقبل الشك والتجريح‏,‏ والنفي والإثبات والهدم والبناء‏,‏ والدين إيمان وتسليم يطمئن له القلب ويجد فيه العقل سلواه‏.‏

بوسعنا أن نعرف الجينات التي تحمل الصفات الموروثة‏,‏ وأن نرصد الكواكب‏,‏ ونصهر المعادن‏,‏ ونلقح الشجر‏,‏ ونقاوم الجاذبية‏,‏ ونهبط بالصواريخ علي سطح القمر‏,‏ ونضع أيدينا علي القوانين االتي تتحكم في كل ما يحيط بنا من ظواهر‏.‏ هذه الظواهر وهذه القوانين هي التي يستطيع العلم أن يسأل عنها وأن يجيب‏.‏ فإن سألنا عن أصل هذه القوانين وعمن أوجد هذا الوجود من العدم فهذا هو المجال الذي نحتاح فيه للدين‏.‏

لكننا نخلط الآن بين العلم والدين‏,‏ وهو خلط يدر علي البعض أرباحا طائلة‏,‏ ونخلط بين الفن والدين‏,‏ ونخلط طبعا بين السياسة والدين‏,‏ ونخلط أيضا بين الدين وكرة القدم‏.‏

لدينا الآن لاعبون يعتقدون أن هناك قوي خفية تدخل معهم المباراة‏,‏ وتلعب إلي جانبهم‏,‏ وتفتح لهم الطريق إلي مرمي الخصوم‏,‏ فما يكاد الواحد من هؤلاء اللاعبين يوفق في إحراز هدف حتي يهلل ويكبر كأنه حقق معجزة من المعجزات‏.‏

***‏

ما الذي أوحي إلي بهذا الحديث؟

أوحت لي به الأمسية الحافلة التي أقامها المجلس الأعلي للثقافة تكريما للعالم الجليل الدكتور سمير حنا صادق الذي تجاوز الثمانين ومازال وفيا للعلم‏,‏ يحرس ذخائره ويدافع عن مناهجه ببسالة وثقة في مستقبل ينتصر فيه العقل علي الخرافة والعلم علي الشعوذة والدجل‏.‏

إنهم يرونه بعيدا‏,‏ ونراه قريبا‏.‏
صدق الله العظيم

Last Updated ( Thursday, 08 January 2009 )
 
< Prev   Next >
© 2014 united copts .org
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.