|
إبراهيم باشا.. والوحدة الوطنية
بقلم: د. رفعت السعيد
ويخطيء الكبار ليتخذ الصغار من أخطائهم مبررا لارتكاب أخطاء أفدح, والمثير للدهشة أننا حتي ونحن في قمة الغيظ والاضطراب والخوف من أن يأتي ما هو أسوأ وأكثر ضررا ببنية هذا الوطن نجد من يزعم أن لا شيء يحدث مؤكدا وحدة النسيج وسلامة البنية الوطنية
اذا انتشر الظلام ولم تجد ما تستضيء به في سماء الحاضر, فلا حيلة لك إلا في العودة الي الماضي, وكثيرا ما عدنا الي الماضي ونحن نناقش مسألة الوحدة الوطنية, لكن العودة هذه المرة تقدم لنا نموذجا فريدا في الوعي بأهمية التوحد والمساواة واحترام العقائد مهما اختلفت.
ويأتي هذا النموذج وياللدهشة علي يدي إبراهيم باشا, وأين؟ في بلاد فتحها بحد السيف, فبعد أن استقر له حكم هذه البلاد في عام1831 وبعد دخوله مدينة القدس منتصرا أصدر فرمانا سمي في التاريخ بـ يورلدي إبراهيم باشا وقد وجه الفرمان الي كل من قاضي قضاة القدس الذي سمي في الفرمان بالقاضي الأعلي, والي شيخ مسجد عمر, وكذلك مفتي القدس ونائبه وكل الأفاضل والأماثل الذين يتولون شأنا من شئون الرعية, ونقرأ في الفرمان أوامر ملزمة وحاسمة ولا تحتمل الالتواء الذي اعتدنا عليه في معالجة مثل هذه الأمور في زماننا الراهن..
ونقرأ نصا في القدس معابد وأديرة وأماكن للحج تأتي إليها من أبعد البلدان كل الشعوب المسيحية واليهودية من مختلف الطوائف, وقد علمنا بورود شكاوي وتظلمات عديدة من وجود ضرائب ترهق هؤلاء الحجاج سواء في آداء نذورهم أو فرائض دينهم, ثم نقرأ ورغبة منا في استئصال هذا العسف بأمل أن نطلب الي كل متسلمي إيالة صيدا وسنجقي القدس ونابلس بإلغاء كل هذه الضرائب علي كل الطرق مجتمعة, وفي معلومنا أنه يقيم في أديرة القدس وكنائسها رهبان ومتعبدون لقراءة الانجيل ولأداء الطقوس الدينية المعتبرة في اعتقاداتهم, ونجد أنه من العدل أن يقتضي إعفاء كل هذه الأماكن من الضرائب التي فرضها الولاة والسناجق بكل الاعتساف,
ولهذا نأمر بأن تلغي والي الأبد كل هذه الضرائب والمغارم التي تجبي من الأديرة والمعابد التي تخص كل الشعوب المسيحية المقيمة في القدس من يونانيين وفرنجة وأقباط وأرمن وغيرهم, ونأمر بأن تلغي فورا وجملة ولا يلتفت لأية تساويف وتعللات ومهما كان ما يطلق عليها من تسميات وحتي لو سميت تسويفا بالهدية أو التقدمة الطوعية, وسواء جبيت لخزينة الباشا أو لصالح القضاة أو المتسلمين أو الديوان أو أي شيء شبيه بذلك, وكذلك أيضا أصدرنا أمرنا هذا بإلغاء جباية الكفارة التي تجبي من المسيحيين عند دخول كنيسة قبر المسيح أو عند التوجه لنهر الشريعة,
وليكن معلوما لدي الجميع من حاضر وغايب أنه بعد صدور هذا الفرمان ستجري المعاقبة الصارمة الشديدة علي كل من يطلب إتاوة أو معلوم أو برطيل من هذه المعابد والأديرة أو من الحجاج, ثم يأتي فرمان آخر يصل الي قمة المساواة العادلة,فيقول ويؤذن وبلا أي تساويف في اطلاق اليد بإصلاح هذه المعابد والأديرة وطلائها وإجراء المرمات فيها وبناء مثيلات لها دون استئذان من أحد كبير أو صغير ـ المفكر العربي في عصر النهضة).
وذهب وفد من المشايخ المتشددين الي إبراهيم باشا بسؤال أرادوا أن يحرجوه به كيف نفرق إذن بين المسلم والمسيحي فأسعفه بالإجابة شيخ مسلم إسلاما حقا وقال لهم أمامه كان الخلفاء الأوائل يلبسون عمائم سوداء بسيطة وليس بها هذه التلاوين والتلافيف العجيبة, وحسبنا أن نعرف المسلم في المسجد والآخرين في معابدهم, ويعقب حوراني علي ذلك قائلا كان من الطبيعي أن يستبسل المسيحيون في مساندة إبراهيم باشا وحاربوا في صفوفه ضد الثورات التي قامت ضده.
وليس أمامي بعد ذلك سوي أن اعترف بأنني أوردت هذا الفرمان بمناسبة هذا الحادث المجرم الذي وقع في نجع حمادي والمقارنة واضحة وضرورية, فالتهاون والتسيب وإغماض الأعين علي أي شكل من أشكال التمييز يسمح للتمييز ورفض الآخر بأن يستقر في أذهان البعض علي أنه هو الموقف الصحيح وأنه مسموح به, ولهذا حرص إبراهيم باشا أن يوجه أوامره وتحذيراته وتهديده بالعقاب لكل المسئولين من كبير وصغير. لكنني أخشي من أن تهدأ رياح نجع حمادي رويدا رويدا, ثم ننساها أو نتناساها, وتعود الأمور لسيرتها الأولي فيتراكم التمييز ويتراكم معه الإحساس بأن هذا هو الطبيعي والعادي والواجب الاستمرار, فأما ما جري ويجري هو في كل مرة حادث فردي أو جنائي أو قام به مختل عقليا.
خلاصة الأمر أنهم يرون أن كل شيء تمام وأن الأمور علي ما يرام ومن ثم فنحن لسنا بحاجة الي علاج مرض غير موجود, أو خطأ إن ظهر فهو بالضرورة غير مقصود, وأن القول بغير ذلك هو مجرد إثارة للفتنة وإضرار بالوحدة الوطنية وكأن المظلوم يحتاج الي من يذكره بآثار ما تلقي ويتلقي من ظلم, البعض فتش واستقصي وبحث وصاح لا شيء ولسنا بحاجة الي شيء سوي استمرار ما هو قائم ولكي تكتمل المسرحية يجري استحضار ما يسمي بتبويس اللحي, أي يقبل شيخ قسيسا أمام الناس, وخلاص, ولقد يستدرج بعض رجال الدين الي ذلك بحسن نية إذ يزعمون لهم أن هذا ضروري لتهدئة النفوس,
والنفوس يجب أن تهدأ فعلا ولكن الجميع يعرفون أنه دون الاعتراف بالأخطاء ودون تصويبها فعلا وبسرعة فإن الهدوء سيعود فورا الي نقيضه.ويذكرني إنكار الواقع الذي يفقأ العين بقصة جنرال تركي أرسله الخليفة العثماني علي رأس أسطول ضخم ليغزو جزيرة مالطة, وعجز القائد الهمام أو خاف أو ضل طريقه, المهم أنه فشل في مهمته, لكنه لم يشأ الاعتراف بفشله فعاد الجنرال الخائب كما ذهب مبروم الشوارب منتشيا منفوخا ومتعاليا وما أن وطأت قدماه الأرض حتي صرخ في مستقبليه مالطة يوك أي مالطة مفيش, مالطة غير موجودة, لكن مالطة كانت ولم تزل موجودة برغم أنف القائد التركي.
وأكاد أطابق بين حاله وحالنا, فالأزمة موجودة والحل موجود, لكن الحل يتطلب أولا أن نعترف بوجود مالطة.. لكننا لسبب أو لآخر نرفض الاعتراف بوجودها ونأبي إلا أن نمضي في ذات الطريق الذي يؤدي الي ما نحن فيه, وما نحن فيه يؤدي بالقطع الي كارثة.
|